السبت، 28 سبتمبر 2013

تعبدُّ النبي عليه الصلاة والسلام بشرع من قبله


بسم الله الرحمن الرحيم
تعبدُّ النبي < قبل البعثة وبعدها
§        أولاً: تعبد النبي < قبل البعثة:
اختلف الأصوليون في المسألة على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة لم يكن متعبداً بشيءٍ، وهو مذهب المالكية وجماعة من المتكلِّمين، واستدلوا بدليلين:
1.     لو كان النبي متعبداً بشرعٍ قبل البعثة لنقل ذلك إلينا، ولم ينقل؛ فيكون ذلك باطلاً.
2.     لو كان النبي قبل البعثة مأموراً باتباع شرع من قبله؛ لاقتضى الأمر مخالطةَ أهل هذه الشرائع لمعرفتها منهم، ولم يثبت ذلك؛ بل ثبت خلافه.
المذهب الثاني: إنَّ النبي قبل البعثةِ كان متعبداً بشرع من قبله، وهو مذهب الحنفية والشافعية، ودليلهم:
ü     إنِّ الله لم يترك عباده سدىً، بل أرسل لهم الرسلَ مبشرين ومنذرين، ليدلهم على الحق، والنبي صلى الله عليه وسلم من جملة الناس الذي أرسل لهم الأنبياء بالهدى والحق؛ بل إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أولى بالأنبياء السابقين من أقوامهم.
وقد اختلفوا فيما بينهم في الشريعة التي كان النبي مأموراً باتباعها، ولا دليل على واحدٍ منها:
1.     فقال بعضهم: شريعة أدم عليه السلام لتقدمها، وكونها اول الشرائع.
2.     وقال آخرون: شريعة نوحٍ عليه السلام؛ لأنه أول رسول على الأرض.
3.     وقال آخرون: شريعة إبراهيم عليه السلام؛ لأنها الملة الكبرى.
4.     وقال آخرون: شريعة موسى عليه السلام؛ لوضوح ما فيها، وشريعة عيسى تابعةٌ لها.
5.     وقال آخرون: شريعة عيسى عليه السلام؛ لأنها الأقرب له، وهي آخر الشرائع قبل الإسلام.
6.     وقال آخرون: كل الشرائع السابقة كانت شرعاً له عليه الصلاة والسلام.
المذهب الثالث: التوقف تعارض الأدلة، وهو مذهب الآمدي.
§        ثانياً: تعبد النبي < بعد البعثة:
بمعنى: هل النبي بعد بعثته وأمته من بعدهِ متعبدون بشرع من قبله من الأنبياء ؟ وهي ما تعرف بمسألة: ( شرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا أم لا ؟ )
§        المقصود بشرع من قبلنا:
المقصود بشرع من قبلنا: أحكام العبادات والمعاملات وغيرها في الشرائع السماوية السابقة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والتي نزلت على أحد الأنبياء عليهم السلام.
§        حجية شرع من قبلنا:
ينقسم شرع من قبلنا إلى قسمين:
-       القسم الأول: ما لا تختلف فيه الشرائع وهو التوحيد وأصول الإيمان فهذا يكون فيه شرع من قبلنا شرع لنا باتفاق قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } الأنبياء 25، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ).
ويلحق بذلك: الكليات الخمس ( حفظ الدين، والعقل، والنسل، والنفس، والمال )؛ فإنها جاءت مقرةٍ في كل الشرائع السماوية السابقةِ، ولا نسخ فيها.
-       القسم الثاني: ما تختلف فيه الشرائع وهذا له صور:
ü     الصورة الأولى: ما ثبت في شرع من قبلنا، وثبت في شرعنا ما يوافقه: فيكون شرع من قبلنا شرعا لنا؛ كالقصاص ورجم الزاني والطهارة ونحوها فهذا يكون شرعاً لنا باتفاق، وإن كان هذا في الحقيقة العمدة فيه هو الدليل الوارد في شرعنا لا شرعهم فقط.
ü     الصورة الثانية: ما ثبت أنه شرع لمن قبلنا، وثبت في شرعنا خلافه: فالعبرة بما جاء في شرعنا ولا يؤخذ بشرع من قبلنا باتفاق؛ كتحريم الشحم وقبول الدية في القتل على بني إسرائيل وإباحتهما لنا، ويدخل في هذا القسم ما ثبت أنه شرع لمن قبلنا ووافقه شرعنا ثم نسخ كالتوجه إلى بيت المقدس.
ü     الصورة الثالثة: ما يزعمه أصحاب الشرائع السابقة أنه شرع لهم وثبت في شرعنا أنه ليس شرعاً لهم: فهو إذا ليس شرعاً لنا باتفاق؛ لأنه ليس شرعاً لهم من عند الله بل هو مما افترته أيديهم، وهذا مثل عقيدة التثليث عند النصارى، وتسويد وجه الزاني الذي زعمه اليهود.
ü     الصورة الرابعة: ما ينقله أصحاب الشرائع ويزعمون أنه شرع لهم ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لهم أو ليس شرعاً لهم: فهذا حكمه حكم الإسرائيليات يتوقف فيه لا يصدق ولا يكذب وفي الناحية العملية لا يعمل به وبعض الصوليين يظن هذا هو محل النزاع في شرع من قبلنا بين الأصوليين وهذا خطأ بل محل النزاع هو الصورة الآتية.
ü     الصورة الخامسة: ما ثبت في شرعنا أنه شرع لمن قبلنا ولم يثبت في شرعنا موافقته أو مخالفته: أي ان شرعنا أورده وسكت عنه فهذا هو محل النزاع وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
o      القول الأول: أنه يكون شرعاً لنا، وهو قول فقهاء الحنفية، والمالكية، وجمهور الشافعية والحنابلة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
o      القول الثاني: انه ليس شرعاً لنا وهو قول بعض الشافعية كالغزالي والآمدي، وقال بهذا القول ابن حزم، وهو الرواية الثانية عن أحمد، وبه قال المعتزلة والأشاعرة.
o       القول الثالث: التوقُّفُ لتعارض الأدلة، وحكاه ابنُ القشيري، وحكى ابنُ برهان في الأوسط عن أبي زيد، ووهَّنه الآمدي وأعرضَ عن اعتبارِه بقوله: ومن الأصوليين مَنْ قال بالوقفِ وهو بعيد.
§        أدلة المذهب الأول:
1.    قال تعالى مخاطبًا نبينا عليه الصلاة والسلام:  ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾؛ يعني أنبياءَ بني إسرائيل، وأمرُهُ له بالاقتداءِ بهم يقتضي أنَّ شرعَهم شرعٌ له قطعًا.
2.    قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، فقد أمره في الآية الكريمة باتباعِ ملةِ إبراهيم عليه السلام، وهي من شرعِ مَنْ قبلَه.
3.    قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾، وهي تدلُّ على أنَّ الشرعين سواء، وهو المراد.
وقد أُجيب عن هذه الآياتِ: بأنَّ المُرادَ بها التوحيد، بدليل: أنَّه أمره باتباعِ هدى جميعِهم، وما وصَّى به جملتَهم، وشرائعهم مختلفة، وناسخة ومنسوخة، فيدل على أنَّه أراد الهدى المشترك.
والملة أصلِ الدين بدليل أنه قال: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾، ولا يجوز تسفيه الأنبياءِ الذين خالفوا شريعةَ إبراهيم عليه السلام.
والهدى والنُّور أصلُ الدين والتوحيد، حيث إنَّ المراد بذلك إنما هو وجوبُ المتابعة في الأشياء التي لم تختلفْ باختلاف الشَّرائع، وتلك أصول الديانات وكلياتها؛ كقواعدِ العقائد والكليات الخمس.
4.    أنَّ النبي قضى في قصةِ الربيع بالقصاص في السنِّ، وقال: (كتاب الله القصاص)، وليس في القرآنِ: السنُّ بالسنِّ، إلا ما حُكي فيه عن التوراة بقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾، فدلَّ على أنه عليه السلام قضى بحكمِ التوراة، ولم يكن شرعًا له لَمَّا قضى به.
وأجيب عنه: بأنَّه ثبت في قوله تعالى: ﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾، فدخل السِّن تحت عمومِ الآية
§        أدلة المذهب الثاني:
1.    أنَّ النبي عليه السلام لما بعث معاذًا إلى اليمنِ قاضيًا قال له: بم تحكم؟ قال: بكتابِ الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنةِ رسول الله، قال: فإن لم تجد؟) قال: أجتهدُ رأيي"، ولم يذكرْ شيئًا من كتبِ الأنبياء الأوَّلينَ وسننهم، فأقره النبيُّ على ذلك، فلو كانت من مداركِ الأحكام الشَّرعيةِ لجرتْ مجرى الكتابِ والسنة، ولم يَجُز العدول عنها إلى اجتهادِ الرَّأي، إلاَّ بعدَ البحثِ عنها واليأس من معرفتِها.
وأجيب عن ذلك: بأنِّ الحجة من شرائع السابقين في حقنا هي ما ورد ذكره في شرعنا، فتكون داخلة في عموم الكتاب والسنة الذين قال معاذٌ بأنه سيرجع إليهما.
2.    لو كان النبي وأمته متعبدون بشرعِ مَن قبلَه، لكان تعلُّمُها فرض كفايةٍ كالقرآنِ والأخبار، ولوجب على النبي ألا يتوقفَ على نزولِ الوحي في أحكامِ الوقائع التي لا خلوَّ للشَّرائعِ الماضية عنها، ولوجب أيضًا على الصحابةِ مراجعتُها، والبحثُ عنها والسؤالُ لناقليها عند حدوثِ الوقائع المختلف فيها فيما بينهم؛ وحيثُ لم يُنقلْ شيءٌ من ذلك عُلِم أنَّ شريعةَ من تقدَّمَ غيرُ متعبَّدٍ بها لهم.
وأجيب عن ذلك: بأنِّه ليس لازماً الرجوع لشرائعهم؛ لأنَّ الحجة منها هو ما ورد ذكره في شرعنا فقط، وليس ما ورد ذكره في الكتب السابقة التي ثبت تحريفها.
§        من أمثلة الاحتجاج بشرع من قبلنا:
استدلَّ الفقهاءُ على جوازِ قسمة منافع المال المشترك بطريق ( المهايأة ) بقولِه تعالى في قصةِ صالحٍ عليه السلام ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾، وهي جائزةٌ في المذاهب الأربعة.
واستدلَّ الحنفيةُ على جوازِ قتلِ المسلم بالذِّمِّي، والرجلِ بالمرأةِ بقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ أي: في التوراة، واحتجَّ بالآيةِ أيضًا المالكيةُ والحنابلة على قتلِ الذَّكرِ بالأنثى.
واستدلَّ المالكيةُ والشافعية والحنابلة على جوازِ الجعالةِ بقولِه تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾.
واحتجَّ غيرُ الجمهور لجوازِ الكفالةِ بالنَّفسِ بقولِه تعالى: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ والشَّافعيةُ استأنسوا بهذه الآية، واحتجُّوا بعمومِ: ( الزَّعيم غارم )، والقياسِ على كفالة الدين.
احتجَّ الحنابلةُ على جوازِ كون المنفعةِ مهرًا بآيةِ: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾، واستأنس الشَّافعيةُ بتلك الآية، واستدلُّوا على الجوازِ بالقياسِ على الإجارة.
واستدلَّ مالكٌ على أفضليةِ الكِباش في الضَّحايا، ثم البقرِ ثم الإبل بما فعلَه إبراهيمُ عليه السلام من فدائه ولدَه بكبشٍ، وذهب الشافعية إلى أنَّ الافضل ما كان أكثر لحماً وأنفع للفقراء والأرحام.

السبت، 31 أغسطس 2013

أيُّها الشامتون في دمائنا.. كفى !!!


أيُّها الشامتون في دمائنا.. كفى !!!
بقلم الشيخ محمد سليمان الفرا
بيَّن القرآن الكريم طبيعة العلاقة بين المنافقين من أبناء هذه الأمة، والمغضوب عليهم من أهل الكتاب؛ فجعلهم إخوةً في الباطل ومتعاونين على الزور ومجابهة أهل الحق؛ فقال سبحانه في سورة الحشر: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }  الآية 11.
§        الكذب ديدن اليهود والمنافقين:
ولذلك لا عجبَ أن تجدَ تشابهاً فطرياً في الصفات بين إخوان الشياطين من اليهود والمنافقين، ويدلُّ لذلك أن الله جلَّ وعلا قد وصف الفريقين بالكذب في القرآن الكريم، فقال في سورة آل عمران واصفاً اليهود: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الآية 75، فهؤلاء القوم كذبوا على الخلق، وكذبوا على الحق جلَّ وعلا؛ ذلك أنَّهم ادَّعَوا أنهم لن يدخلوا النار إلا أياماً معدودةً، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء؛ كذباً على الله، وتعالياً على الناس.
كما أنَّه وصف المنافقين بالكذب في أول آية تتوعدهم في القرآن الكريم فقال في سورة البقرة: { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } الآية 10.
وقد سمَّاهم الله مرضى، والمرض لا يُصيب أبدانهم، وإنما يصيب قلوبهم ودخائل نفوسهم، فترى أجسامهم سليمة من العيوب، وقد ترى على بعضهم سمات الصلاح الظاهرة؛ ولذلك قال عنهم في سورة المنافقون: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} الآية 4.
§        داء الشماتة في مصاب الناس:
ومن أخطر الأمراض التي أصابت قلوب المنافقين الذي يسارعون في أعداء الأمة، ويوالون غير المسلمين: الفرح بأذية المسلمين وإظهار الشماتة في مصابهم، وهي صفة ذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم ملازمةً للمنافقين وأوليائهم من اليهود دون غيرهم من البشر.
فقال مخبراً عن اليهود في سورة آل عمران: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} الآية 120، فهم يفرحون لمصاب المؤمنين، وتسودُّ وجوههم غيظاً وحسداً لخيرٍ أو نعمةٍ آتانا الله إياها، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } النساء 54.
وهذا الداء – داء الشماتة – قد أصاب  قلوب أوليائهم من المنافقين، فقد قال الله تعالى عنهم في سورة التوبة: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } الآية 50، فالقلوب متشابهة، والطباع واحدةٌ، والشماتة في مصاب المؤمنين على وجوههم بادية.
إنه فرح بئيس... ممزوجٌ بالحقد على المسلمين... والشماتة في مصابهم... يدل على عدم إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن ما أصاب المسلمين من بأساءٍ أو ضراءٍ إنما هو بقدر الله تعالى ليصنع هذه الأمة على عينه.
ومما يزيد الألم أن ترى هؤلاء المنافقين من إخوان إبناء القردة والخنازير يظهرون الشماتة صراحة في دماء المسلمين التي تسيل، ويعلو وجههم البشر والسرور للأرواح التي تزهق، ومنهم من دبَّج الكلمات والمقالات والتحليلات انتصاراً للقتلة والمجرين، وشماتة في دماء الأبرياء المظلومين.
وكأنَّه يعجبهم حالُ المسلمين في مصر وقد سالت دماء شبابهم وفتياتهم على الأسفلت، أو يعجبهم حال سورياً وقد ضرب أطفالها بالسلاح الكيمياوي، أو يعجبهم حال العراق وقد فقدت أمنها، وضاعت مقدراتها، أو يعجبهم حال فلسطين وقد قضم العدو أكثر أرضها، وفرط له المفاوض فيما تبقى بلا ثمن !!!!.
بل إنك تراهم قد تعدَّوا مرحلة الشماتة في المسلمين ومصابهم، وأظهروا شماتةً وقحةً في الإسلام ذاته؛ كتلك الشماتة التي علت وجوه كفار قريش يوم معركة أحد؛ حين قال قائلهم: أعل هبل... العزى لنا ولا عزى لكم... يوم بيوم والحرب سجال !
أما أعلم أولئك السفهاء أن من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم؛ وأنَّ من خذل مؤمناً في موطنٍ يطلب فيه نصرته خذله الله في موضعٍ يرجو فيه نصرته ؟
إنَّ الشماتة في مُصاب المسلمين وعدمُ الاهتمام لأمرهم يُعدُّ ثُلمةً في عقيدة الإنسان قد تخرجه من دائرة الإسلام إلى دائرة من تولى من الكفار والمجرمين.
إنَّ هؤلاء المنافقين الصغار قد ساروا على درب أجدادهم من المنافقين الكبار الذين فرحوا بترك طريق الجهاد وتنكبوا سبيل ذات الشوكة فقال الله عنهم في التوبة: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} الآية 81.
وإن الله تعالى قد توعَّد هؤلاء المنافقين وأجدادهم في القرآن الكريم فقال في سورة التوبة {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} الآية 82.
وعليه فأقول لهؤلاء المنافقين الذين فرحوا بترك الجهاد في سبيل الله وتنكبوا طريق الحق، وسلكوا طريق التيه يفاوضون فيها العدو مقابل سراب يحلمون به، وفرحوا لمصاب المسلمين، وشمتوا في الأرواح التي أزهقت منهم بغير حقٍّ؛ أقول لهم كما قال الله تعالى لأجدادهم: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} إنَّ موعدهم مع ندم كبيرٍ، وبكاءٍ كثير؛ حيث لا ينفع الندم، ولا يفيد البكاء، كل ذلك بما قدَّمت أيديهم، والله من ورائهم محيط.

الجمعة، 23 أغسطس 2013

ليبيرالية المبادئ ومبادئ الليبيرالية


ليبيرالية المبادئ ومبادئ الليبيرالية

بقلم: محمد ســـليمان الفرا
أكاديمي وباحث فلسطيني

لا زالت التيارات العلمانية واليسارية والليبيرالية في بلادنا العربية – كلُّها أو جلُّها - تثبت كلَّ يوم أنها ليست صاحبة مبدأ، ولا ترتكز إلى أخلاق أو عقلانية، بل هي فاقدة لأي شرف أو مصداقية.

وتبرهن بالدليل الدامغ أنها ليست مبتورةً عن الأنظمة الحاكمة (الدكتاتورية) المنقرضة بكل أجهزتها الأمنية والعسكرية والإعلامية التي أصبحت تمثل اليوم أدوات الاستبداد ومعاداة الشعوب، بل أصبحت اليوم تقف ضد إرادة الشعوب وحرياتها بكل وقاحة.

لقد اعتقد الناس إلى وقت قريب أنَّ هذه الشريحة المبتورة عن الأمة تاريخا ووعيا ووجدانا وثقافة قد فهمت الدرس من الثورات الشعبية التي انطلقت عام 2011م.

وظنوا أنها وقفت مع إرادة الشعوب التي خرجت للميادين تطالب بالحرية والمساواة، وتعلن رفضها للظلم أياً كان مصدره؛ على اعتبار أن مبادئ الليبيرالية تقوم على أساس دستورية الدولة، والديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، وأنِّ من مبادئها تكريس سيادة الشعب عن طريق الاقتراع العام، وذلك للتعبير عن إرادة الشعب واحترام مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وأن تخضع هذه السلطات للقانون من أجل ضمان الحريات الفردية وللحد من الامتيازات الخاصة، ورفض ممارسة السيادة خارج المؤسسات لكي تكون هذه المؤسسات معبرة عن إرادة الشعب بأكمله.

كما أنَّ الليبيراليين في فترة سابقة قد صموا آذننا بالمناداة بحق المعارضة السياسية خصوصًا، وخطورة عسكرة المعارضة أو تسلحها، فبدون الحريات التي تحرص عليها الليبرالية فإنه لا يمكن تشكيل معارضة حقيقية ودعايتها لنفسها وبالتالي لن تكون هنالك انتخابات ذات معنى ولا حكومة منتخبة بشكل ديمقراطي نتيجة لذلك.

لكنها وللأسف أعادتنا بالذاكرة إلى ما جرى في الجزائر من انقلابٍ مباشرٍ على نتائج الانتخابات التي جرت في ديسمبر 1991م، وفازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية بغالبية ساحقة وصلت إلى 82%، ما يجعلها قادرة على استلام السلطة باقتدار. وأعادتنا كذلك إلى ما تبع هذا الانقلاب من حرب على الإسلاميين والمجتمع الجزائري عقوبة له على هذا الاختيار.

§         إيمان بالديموقراطية وكفر بنتائجها:

هؤلاء الليبيراليون كانوا ينادون بالديموقراطية، وهم الآن أكفر الناس بها، وكانوا يحذرون من عسكرة السلطة، وهم الآن أكثر (اللاحسين) لبساطير العسكر، وكانوا يرفضون الحكم الجبري القائم على الانقلاب العسكري، وهم الآن أكثر الداعمين له، بل يخرجون على وسائل الإعلام بوجوههم المشوهة، وألسنهم الأفعوانية وأقلامهم المسمومة يدافعون عن الانقلابات العسكرية التي عفا عليها الزمن، ولم يعد تنطلي على الشعوب، بل يحالون باستماتةٍ مفضوحة أن يبرروا عمليات قتل المتظاهرين، والإبادة الجماعية التي يتعرض لها من يرفض الانقلاب.

والسبب في ذلك أنهم يؤمنون بالديموقراطية التي تأبي بهم إلى الحكم وتجعلهم أوصياء على الشعوب العربية التي عاشت عقوداً تحت جنازير الانقلابات العسكرية؛ ولن لو فاز غيرهم بهذه الاداة (الديموقراطية) فإنهم من أول الكافرين بها؛ لأن الشعوب - في وجهة نظرهم - مخدوع بالدين، ومتأثرة بالإسلام القديم، وهي لا تعرف مصلحتها، وأن مصلحة الشعوب ونجاتها تتلخص في سلخها عن قيمهما ومبادئها وتاريخها الإسلامي، ولو بالسلاح؛ لذلك تراهم يعارضون الحكم العسكري، ويدعون لمدنية الدولة، ثم يلهثون خلف (بارونات الحرب) و(أمراء السلاح) للانقلاب على نتائج الانتخابات التي لم تأت بهم، ولم تؤهلهم لقيادة المجتمع.

§         الديموقراطية وتداول السلطة:

هؤلاء (المسوخ) رغم انكشاف سوءاتهم لا يزالون يحرصون على المناداة بالديموقراطية (التي نفرزهم) ويدعمون (الانتخابات) التي تأتي بهم، وهم لا يعلمون أن الانظمة الدكتاتورية البادئة كانت ديموقراطية أكثر منهم؛ فقد كان اسيادهم يعقدون الانتخابات – وإن كانت مزورة – ثم يحترمون نتائجها؛ أما هؤلاء فسرعان ما يواجهون إرادة الشعوب، ويجابهونها بأفكار باتت (منقرضة).

هؤلاء المساكين يظنون أن الديموقراطية هي الانتخابات – بشرط أن تأتي بهم – وهم بذلك أخطأوا مرتين، وكانوا أسوأ من الجنرالات التي حكمت الشعوب بالحديد والنار عقوداً طويلة:

المرة الأولى: لما آمنوا بالانتخابات وكفروا بنتائجها، فكانوا مثالاً مستنسخاً عن الجيش الجزائري التي ربته فرنسا، وانفقت عليه من مالها، فاعلن عام 1991 أن فوز الإسلاميين في الانتخابات هو (ولد غير شرعي) للديموقراطية، فأثبتوا على أنفسهم أنَّ الديموقراطية التي يعتبرونها أماً لهم ليست سوى مجرد زانية تحمل سفاحاً، وتأتي باللقطاء.

أما الخطأ الثاني: لما ظنوا أنَّ الديموقراطية هي الانتخابات، وهذا ليس صحيحاً؛ لأن الأنظمة القمعية التي زالت عن صدورنا كانت تعقد الانتخابات (وإن كانت مزورة) وكانت تحترم إرادة (الصندوق) بغض النظر عن الطريقة التي كان يملأ بها الصندوق؛ فهل نستطيع تمسية ذلك ديموقراطية ؟؟؟؟

طبعاً لا؛ لأنَّ الديموقراطية لها مبادئ وأدوات، والانتخابات هي أداة من أدوات الديموقراطية؛ أما المبدأ التي تقوم عليه الديموقراطية هو (التداول السلمي للسلطة) والرضا بالنتائج، والمعارضة السياسية الشريفة التي تقوم على أساس المصلحة الوطنية.

ولذلك فإنَّ دول قلب أفريقيا – ومنها جمهورية الكونغو (الديموقراطية!!) – تجري فيها الانتخابات كل فترة، ومع ذلك هي بعيدة كل البعد عن الديموقراطية؛ لأنها تفتقد مبدأ الديموقراطية؛ فكل انتخابات تعقد فيها يعقبها حرب أهلية، واحتماك مقيت للسلاح، وتشريد لآلاف الأبرياء، ولذلك لا نستطيع أن نقول أجريت انتخابات في الكونغو، بل نقول: (نشبت) انتخابات في الكونغو؛ لأنها لم تقم على أساس الديموقراطية مبادئها.

§         ثورة على الكهنوتية الليبيرالية:

وهكذا الحال عند الليبيراليين العرب يؤمنون بالديموقراطية، ويكفرون بالتداول السلمي للسلطة، ويعتبرون أنفسهم أولياءً على إرادة الشعوب؛ ليستنسخوا بذلك حقبة الحكم الكهنوتي لأوروبا في العصور الوسطى، وهذا ما سيستدعي ثورة جديدة للشعوب العربية الطامحة للحرية والكرامة على بابوات (الكنيسة الليبيرالية) على غرار الثورة الفرنسية التي قامت على (بابوات الكنيسة الكاثوليكية) سابقاً.

وإلا فإن ليبيرالية المبادئ سترجعنا مرةً اخرى إلى عصور الاستبداد والحكم الديكتاتوري، وديموقراطية إقصاء الأخرين، وانتخابات الـ(99.9 %).

الاثنين، 5 أغسطس 2013

تكحيلُ العَيْنَيْن بآدابِ ومستحبات العِيدَيْن


بسم الله الرحمن الرحيم
تكحيلُ العَيْنَيْن بآدابِ ومستحبات العِيدَيْن
بقلم الشيخ: محمد سليمان الفرا
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ علَى أشرفِ الخلقِ أجمعينَ، وبعدُ...
فهذِه رسالةٌ لطيفةٌ تتضمَّنُ بيانَ آدابِ العيدِ ومُستحبَّاتِه، وتُحذِّرُ من المخالفات التي قَد يُقارِفُها الناس فيه، وبيانُ ذلكَ في النُّقطتين التَّاليتينِ:

§        أولاً: سُنَنُ يومِ العيدِ وآدابُهُ:
للعيدِ آدابٌ ومستحباتٌ بيانُها في البنودِ العشرةِ التاليةِ:
1.       يستحب للرجال رفع الصوت بالتكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم، ومنازلهم، وطرقهم؛ لقول الله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (سورة البقرة، من الآية 185)، وللنساء أن يُكَبِّرْنَ بصوتٍ خفيضٍ، وينتهِي وقتُ التَّكبيرِ في عيد الفطر بنهاية صلاةِ العيد، أما في عيد الأضحى فيستمرُّ إلى غروبِ شمسِ ثالثِ أيامِ التشريقِ، وهيَ الأيامُ الثَّلاثةُ التي تلِي يومَ الأضحَى.
2.       التكبيرُ للعيدِ له كيفيَّاتٌ عديدةٌ، والأمرُ فيه واسعٌ، والمشهورُ في المسألةِ ما استحبَّه الإمامٌ الشافعيُّ رحمه الله، حيث قال النووي: "وصيغته المحبوبة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، هذا هو المشهور من نصوص الشافعي" منهاج الطالبين، ص 24 
3.       من مُستحباتِ يومِ العيدِ الاغتسالُ، والتَّجَمُّلَ والزينةُ في الملبسِ والهيئةِ، ولبسُ أفضل الثياب وأجملها، والتطيبُ، وتقليمُ الأظافر؛ لأنه يوم فرحٍ وسرورٍ، وفيه يجتمع الناس ويتزاورون.
4.       يُستحبُّ للناسِ أن يُفطروا على تمرٍ قبل الخروج للصلاة يوم عيد الفطر، وأن يؤخروا طعامهم يوم الأضحى لما بعد النَّحرِ، ويدلُّ لذلك حديث أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ) وفي روايةٍ (وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا) أخرجه البخاري، وعن بريدة رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، وَلَا يَأْكُلُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ) أخرجه أحمد بإسنادٍ حسنٍ.
5.       يستحبُ التبْكيرُ إلى المصلَّى في يوم العيد؛ لقول الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} (سورة المائدة، من الآية 48)، والعيدُ مِن أعظمِ الخيراتِ، وقد دلَّت النصوصُ علَى فضِيلةِ التَّبكيرِ إلى الجماعاتِ والجُمُعاتِ، والدُّنُوِّ من الإمامِ، وفضيلةِ الصفِّ الأولِ؛ والعيدُ يدخلُ في ذلك كلِّهِ.
6.       ويستحب في يوم العيد خروج النساء والصبيان إلى المصلى؛ لحديث أم عطية: (أَمَرَنَاْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِيْ الفِطْرِ والأَضًحَى... فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ) أخرجه أحمد وأصله عند البخاري، ويجبُ على النساءِ التستُّرُ، وعدم السفور، وتركُ الطيبِ والزينةِ التي فيها فتنةٌ للرجال.
7.       ويستحبُّ المشيُ إلى المصلَّى في يومِ العيدِ، وتركُ الرُّكوبِ للقادرِ على ذلك، قال ابن المنذر: " المشيُ إلى العيدِ أحسنُ، وأقربُ إلى التواضعِ، ولا شيءَ علَى من ركِب " الأوسط لابن المنذر: ج 4، ص 264.
8.       ومن المستحبات في هذا اليوم التهنئة بالعيد، وإظهار الفرحِ والسُّرورِ بقدومِهِ؛ لما جاء عن جُبير بن نُفيرٍ قال: (كَاْنَ أَصْحَاْبُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ العِيْدِ يَقُوْلُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ) ذكره ابن حَجَرٍ في فتح الباري، وحسَّن إسناده.
9.       يُستحبُّ فِي يومِ العيدِ أنْ يرجعَ المُصلِّي من غير الطريق الذي ذهب منه للصلاة؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ) أخرجه البخاري، ولمخالفةِ الطريقِ حِكَمٌ كثيرة منها: إظهار شعائر الإسلام، ولتشهد له الملائكة في الطريقينِ، وفيه إظهارُ ذكرِ اللهِ تعالى، والسلامُ على أهلِ الطَّريقينِ...
10.   من أفضلِ الأعمالِ في يومِ العيدِ صلةُ الأرحامِ، وتفقُّدُ الفقراءِ والمساكين، وإدخال السرور على الأيتام والأرامل والثكالى؛ ذلك أن يوم العيد هو يوم فرحٍ وسرورٍ، ومن خير ما يصنع العبد فيه أن يُدخل السرورَ على قلوب المسلمين.

§        ثانياً: مخالفاتٌ ينبغي الحذرُ منها:
وأشهرها خمسٌ على النَّحوِ التالي:
1.       مصافحةُ النساء الأجنبيات:
يحرُمُ علَى الرجلِ مصافحةُ المرأةِ الأجنبيَّةِ التي ليست مِن محارِمِه، ويدلُّ لذلك حديث معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيِطٍ مِنْ حَدِيْدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ) أخرجه الطبراني وصححه الألباني، فلا يجوز التساهلُ فِي ذلكَ يومَ العيدِ.
2.       تأخيرُ الصلاة عن وقتها:
ينشغلُ بعضُ الناسِ في يوم العيد بِصِلَةِ الأرحامِ والتزاورِ عن الصَّلاة؛ فيؤخرونها لآخر وقتها، وفي بعض الأحيان يخرج وقتها قبل أدائها، وفي ذلك مخالفةٌ شرعيَّةٌ؛ فإنه لا يجوزُ تأخيرُ الصلاة عن وقتِها لغيرِ عُذرٍ معتبرٍ شرعاً، ومن أخَّرَ الصلاةَ عن وقتِها مِن غيرِ عُذر فقد أثم إثماً عظيماً، لقولِ الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (سورة الماعون، الآيتان 4، 5)، قال المفسرون: الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
3.       الإساءة في صلة الرحم.
ويكون ذلك بإلقاء الهديَّة أو (العِيديَّةِ) لأرحامه من الباب، وعدم دخول البيت بحجة كثرة الأرحامِ، وضيقِ الوقتِ، أو قد يبعثها لأرحامه مع ولده الصغير، وفي ذلك مخالفةٌ للهدي النبوي في صلة الرحم؛ فإنَّ من مقاصدِ صلةِ الرحِمِ المؤانسةَ، وتفقدَ الأحوالِ.
4.       الإسراف وتبذير المال:
ويكون ذلك بالتَّوسُّعِ المذمُومِ في الطعامِ، والشرابِ، واللباسِ، أو شراء ما لا فائدة فيه من الألعاب التي يكون ضررُها أكثرَ من نفعها؛ كالأدواتِ الحادَّةِ التي تُسبب أذىً للناس في أبدانهم وأنفسهم، أو تكسر قلوب الفقراء وأبنائهم، وقد حَرَّمَ الإسلامُ التبذيرَ ونهانَا عَن الإسرافِ فقال سبحانه وتعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (سورة الأنعام، من الآية 141)، وقال جل وعلا: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً } (سورة الإسراء، من الآية 27).
5.       التقصيرُ في التكبير للعيد:
فقد أصبحَ التكبيرُ للعيدِ في المساجِدِ والأسواقِ والطرقاتِ مهجوراً في زماننا، وصارَ الناسُ يقتصرونَ علَى التكبيرِ في المُصليات وقتَ الصلاةِ علَى استحياءٍ، وبصوتٍ خفيضٍ، وهو خلافُ السُّنة، والأصلُ في ذلكَ رفعُ الصوتِ بالتكبير والتهليلِ في الطرقات، ومجامع الناس؛ اتباعاً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وإظهاراً للشعيرة واعترافاً بنعمةِ اللهِ علينَا.
والحمدُ لله في الأوَّلِ والختامِ، وعلى رسولِه محمدٍ أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ السلامِ