الجمعة، 14 مارس 2014

واجب المسلم تجاه مجريات الثورات بين النصرة والسكوت

بسم الله الرحمن الرحيم
واجبُ المسلمِ تجاهَ مجرياتِ الثوراتِ بينَ النُّصرةِ والسُّكوتِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ علَى خيرِ خلقِ اللهِ أجمعينَ، وبعدُ:
فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى قَد أقامَ السمواتِ والأرضَ علَى ميزانِ العدلِ والحقِّ، وحذَّرَ الناسَ مِن الظلمِ والعدوانِ، وأَمَرَ المُسلمَ بنصرةِ الحقِّ وأهلِهِ، ومُحاربةِ البغيِ ورَهْطِه؛ ولو كانُوا مِن المسلمينَ، فقالَ سبحانَهُ وتعالَى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات، الآية 9)
أنَّ الآيةِ فيهَا نصٌّ واضحٌ علَى أنَّ الاقتتالَ إذَا وقعَ بينَ المؤمنين فإنَّنَا مأمورونَ بالإصلاحِ ابتداءً؛ لكنْ إذَا وقعَ مِن إحدَى الطائفتين بغيٌ أو ظلمٌ، ورفضَتْ جهودَ الصُّلحِ؛ فإنَّ الواجبَ هوَ زجرُها عنْ هذَا الظُّلمِ، ولَو بالقتالِ، وحملِ السِّلاحِ؛ إلَى أن ترجعَ الفئةُ الباغيةُ للحقِّ، وطريقِ الجادَّةِ الصَّوابِ، وتجنحَ للصُّلحِ.
وقدْ وردَ عَن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحاديثُ صحيحةٌ تُوهِمُ خلافً ذلكَ؛ لأنَّها تنهَى عَن المشاركةِ فِي الفتنةِ؛ إذَا وقعتْ بينَ المسلمينَ، منها حديثُ أبِي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ) (أخرجهُ البخاريُّ: ح 3601).
إنَّ الحديث فيهِ نهيٌ واضحٌ عَن المُشاركةِ فِي الفتنةِ إذَا وقعتْ؛ أياً كانتْ أسبابُها وأطرافُها، وأنَّ الواجبَ علَى المُسلمِ أنْ يعتزلَ الفريقَينِ المقتتلَينَ، وهذا قد يُوهمُ التعارضَ بين الحديثِ، والآيةِ الكريمةِ التِي سبقتهُ.
وقدْ ذهبَ المُحقِّقونَ مِن أهلِ العلمِ إلَى إزالتهِ بالجمعِ بينَ الدليلينِ؛ حيثُ فرَّقُوا فِي هذِه المسألةِ بينَ حالتينِ:
الحالةُ الأولَى: أنْ يقعَ القتالُ بينَ المسلمينَ، ويُعرفَ أهلُ الحقِّ منهُم مِن البغاةِ والمعتدينَ، وعندهَا فالواجبُ علَى المسلمِ نُصرةُ أهلِ الحقِّ، وقتالُ أهلِ البغيِ، وهوَ المستفادُ مِن آيةِ الحجراتِ السابقةِ، ويأثمُ مَن تركَ نصرةَ أهلِ الحقِّ، لحديثِ جابرٍ بن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ: ( مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ ) (أخرجه أحمدُ: 15933، وأبو داودَ: 4884، وحسَّنه الألبانيُّ).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يقعَ القتالُ بينَ طرفينِ، كِلاهُما علَى باطلٍ فيهِ، أو لَا يستطيعُ الناظرُ أن يَمِيزَ الفئةَ العادلةَ مِن الباغيةِ، وعندهَا فالواجبُ اعتزالُ القتالِ، وإمساكُ اللسانِ، وعدمُ الخوضِ فِي هذهِ الفتنةِ.
وإليكَ بعضُ النقولِ الفقهيَّةِ التِي تؤكِّدُ هذَا التَّفصيلَ:
جاءَ فِي تفسيرِ القرطبيِّ: " لَو كانَ الواجبُ فِي كلَّ اختلافٍ يكونُ بينَ الفريقينَ الهربَ منهُ، ولزومَ المنازل؛ لمَا أُقيم حقٌّ، ولا أُبطل باطلٌ، ولوجَد أهلُ النفاقِ والفجورِ سبيلاً إلَى استحلالِ كلِّ ما حَرَّمَ اللهُ عليهم مِن أموالِ المُسلمينَ، وسَبْيِ نسائَهَم، وسفكِ دمائِهم، بأنْ يتحزّبُوا عليهِم، ويكُفّ المسلمونَ أيديهِم عنهُم، بأن يقولُوا: هذِهِ فتنةٌ قَد نُهِينَا عَن القتالِ فيهَا، وأُمِرْنَا بكفِّ الأيدِي والهربِ منهَا " (تفسير القرطبي: 16 / 287).
وقالَ الإمامُ النوويُّ رحمَه اللهُ: " قالَ معظمُ الصحابةِ والتابعينَ وعامَّةُ علماءِ الإسلامِ: يجبُ نصرُ المُحقِّ فِي الفتنِ، والقيامُ معهُ بمقاتلةِ الباغـينَ، كمَا قالَ تعالى: { فَـقَـاتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى }، وهذَا هُو الصَّحيحُ، وتتأولُ الأحاديثُ علَى مَن لَم يظهرْ لهُ المحقُّ مِن المُبطِلِ، أو علَى طائفتينِ ظالمتينِ، لا تأويلَ لواحدةٍ منهمَا، ولو كانَ كمَا قالَ أصحابُ القولِ بالعزلةِ، وعدمِ المشاركةِ، وتركِ والخوضِ فِي فتنةِ القتالِ؛ لظهرَ الفسادُ، واستطالَ أهلُ البغيِ والمُبطلونَ، واللهُ أعلمُ " (شرح صحيح مسلم: 18 / 10 بتصرفٍ يسيرٍ).
وبناءً علَى مَا سبقَ:
‌أ.        مَنْ عَرفَ أهلَ الحقِّ والرِّضوان، وميَّزهُم عنْ أهلِ الباطلِ والعدوانِ؛ فالواجبُ عليهِ نصرتهُم بكلِّ وسيلةٍ ممكنةٍ، ويحرمُ عليه خذلانهمْ؛ حتَّى لَا يعلُو الفجَّارُ علَى الأبرارِ؛ فيعمَّ الفسادُ فِي الأرضِ.
‌ب.    أمَّا مَن قَصُرَ فَهْمُهُ عَن تمييزِ أهلِ الحقِّ مِن الباطلِ، فالواجبُ عليهِ اعتزالُ الفتنةِ، وعدمُ الخوضِ فيهَا بسلاحِهِ، أو بلسانِهِ، بلْ إنهُ مأمورٌ بالسكوتِ، وعدمِ الحديثِ فِي هذَا الأمرِ مطلقاً؛ لأنَّه لا عِلمَ لهُ بهِ، وقد قال تعالى في ذلك: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء، الآية: 36).
‌ج.     إنَّ تَكَلُّمَ بعضِ الدُّعاةِ فِي بعضِ الوقائعِ التِي لمْ يظهرْ لهُم فيهَا أهلُ الحقِّ منَ الباطلِ يزيدُ الفتنةَ ويؤججها، ويُلَبِّسُ علَى المسلمينَ دينهُم، وزيدُ الفجَرةَ جرأةً علَى استباحةِ دماءِ الأبرياءِ، والعياذُ باللهِ، فإذَا اعتزلتهَا أيديهِم بدعوَى أنَّها فتنةٌ؛ فلتعتزلْها ألسنتُهم كذلكَ، واللهُ تعالَى أعلمُ.

وصلَّى اللهُ وسلَّمَ علَى سيِّدنَا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
محمد سليمان نصر الله الفرا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
رئيس الدائرة العلمية في رابطة علماء فلسطين
محاضر بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية - غزة

الجمعة، 14 فبراير 2014

أبنائي طلاب مساق حقوق الإنسان في الشريعة والقانون:
إليكم ملخص الفصل التمهيدي من المساق، ويتحدث عن تعريف الحق في اللغة، والاصطلاح الشرعي والقانوني، وتقسيمات الحقوق بين الشريعة والقانون، وتقييم وثائق حقوق الإنسان، ومنزلة حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية.


http://www.mediafire.com/view/dxx9y0cdlc8pcpw/تعريف_الحق_وتقسيماته_وتقييم_وثائق_حقوق_الإنسان.pdf

الاثنين، 20 يناير 2014

حكم اعتبار حق العودة على المزاج كالحق في الزواج

بسم الله الرحمن الرحيم
حكمُ اعتبارِ حقِّ العودةِ علَى المزاجِ كالحقِّ فِي الزَّواجِ

o     هلْ يجوزُ اعتبارُ حقِّ عودةِ الفلسطينيينَ اللاجئينَ إلَى ديارهم التِي طُرِدوا منهَا حقاً شخصياً يجوزُ التنازلُ عنهُ كحقِّ الإنسانِ فِي الزواجِ ونحوِهِ من المباحات ؟
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ علَى رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:
إنَّ اللهَ جلَّ وعلَا قد فرضَ علَى المسلمينَ الذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهم وأموالهِم الجهادَ في سبيلِه، وأمرهم بقتالِ الذينَ فتنوهمْ فِي دينهِم؛ بإخراجهِم مِن أرضِهِم؛ فقالَ سبحانه: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ... } (البقرة، من الآية 191).
وقد نزلتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ فِي كفارِ قريشٍ الذينَ فتنُوا المسلمينَ فِي دينهمْ، بإخراجهِمْ من أرضهم وأوطانهمْ ظلماً وقهراً وعدواناً.
بل إنَّ القرآن الكريم قد ردَّ علَى أولئكَ السفهاءِ الذينَ أنكرُوا علَى المسلمينَ قتالَهُم المعتدينَ فِي الأشهرِ الحُرُمِ، وهُم الذينَ أخرجوهُم من أرضهِم وبلادهم، قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (البقرة، الآية 217).
وقد فسَّر عددٌ مِن العلماءِ الفتنةَ فِي الآيتينِ: بفتنةِ المسلمينَ فِي دينهمْ بإخراجهِم من أرضهِم، والصدِّ عن سبيلِ اللهِ تعالَى، والوقوفِ فِي وجهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه.
وعليهِ فإنَّ مَن أُخرِج مِن أرضِه ظُلماً مأمورٌ بِحملِ السِّلاحِ، وقتالِ الظالمينَ الذينَ أخرجوهُ مِن أرضهِ، ولا يجوزُ لهُ أنْ يُسلِّم لهمْ بالأمرِ الواقعِ، أو يرضَى باستيلائهِم علَى ديارهِ، ولذلكَ كانَ القتالُ فِي سبيلِ اللهِ واجباً، وكانَ الجهادُ ماضياً إلى يومِ القيامةِ، وهذا أمرٌ مجمعٌ عليهِ بينَ علماءِ الأمةِ الموثوقينَ علَى مرِّ السنينَ.
أمَّا الزواجُ فِي الإسلامِ فهوَ سنةٌ حثَّ عليهَا النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَّ، ولكنْ لمْ يَرِدْ نصٌّ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ يأمر الشباب بالقتالِ من أجلِ الزواج، ويتوعدُ تاركَه بالعذابِ الشديدِ يومَ القيامةِ، بلْ إنَّ غيرَ القادرِ علَى النكاحِ مأمورٌ بالتَّعففِ والتصبُّرِ؛ لقولِهِ تعالى: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ... } ( سورة النور، من الآية: 33)، ولحديثِ يزيد بنِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ؛ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) (متَّفقٌ عليه).
وقد ثبتَ عن غيرِ واحدٍ من العلماء أنَّهُ تَرَكَ الزَّواجَ، وتفرَّغَ للعلمِ والتدريسِ والكتابةِ؛ كالإمامِ النَّوويِّ وغيرهِ، ولمْ يثبُتْ عنْ أحدٍ مِن العُلماءِ أنَّهُ أجازَ تركَ العدوِّ يسرحُ ويمرحُ في بلادِ المسلمينَ التي اغتصبها منهمْ عنوةً؛ بل قالوا بوجوبِ الجهادِ فِي سبيلِ اللهِ، واعتبروا قتالَ الغُزاةِ فرضَ عينٍ علَى كلِّ قادرٍ علَى حملِ السلاحِ.
وعليه؛ فإنَّ الذِي يُشَبِّهُ حقَّ العودةِ بالزَّواجِ، ويعتبرُهُ حقاًّ شخصياً يجوزُ لصاحبِهِ أنْ يتنازلَ عنهُ، إنَّما هُو سفيهٌ لَا يفقهُ فِي سُننِ الدينِ والحياةِ شيئاً، أو مارقٌ وخائنٌ لهذه الأمَّةِ، ولقضيَّةِ فلسطينَ، وكلُّ مَن يؤمِنُ بذلكَ، أوْ يُوافقُ علَيهِ مأمورٌ بالمسارعة إلَى التوبةِ مِن هذا البُهتانِ العظيمِ، والضَّلالِ المُبين.

محمد سليمان نصر الله الفرا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
رئيس الدائرة العلمية في رابطة علماء فلسطين
محاضر بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية - غزة
فلسطين المحتلة – قطاع غزة
mohammadelfarra@hotmail.com
facebook.com/shaikh.mohammadelfarra

الاثنين، 6 يناير 2014

الدعاة البرجوازيون


الدعاة البرجوازيون
بقلم: محمد سليمان الفرا
يُعرِّف علماء الاجتماع البرجوازية بأنها: طبقة اجتماعية ظهرت في القرنين 15 و 16 للميلاد، تمتلك رؤوس الأموال والحرف, وتمتلك كذلك القدرة على الإنتاج والسيطرة على المجتمع مؤسسات الدولة للمحافظة على امتيازاتها ومكانتها.
بمعنى أنها طبقة غير منتجة، وتعيش من فائض قيمة عمل العمال، حيث أن البرجوازيين هم الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج، وهم فئات ومراتب تبدأ من كبار البرجوازية، وانتهاءً إلى البرجوازيين الصغار...
والعجيب أنك أصبحت اليوم ترى طبقة جديدة من طبقات البرجوازيين، وهي طبقة ( الدعاة البرجوازيين )، وهم الدعاة الذين أحسنوا في مجال التأصيل النظري لمفاهيم الإسلام، وخرجوا على الناس بأثوابهم البيضاء القصيرة ( وبعضهم لبس البنطال ) ولحيتهم الطويلة ( وبعضهم كانت لحيته قصيرة أو كان داعيةً حليقاً ) يتحدثون على شاشات التلفاز... حيث الغرف المكيفة، ولا غبار ولا حر يعيق تحركه في الشارع متنقلاً بين الناس.
هؤلاء الدعاة الذين عاشوا على عطايا أصحاب القنوات الفضائية، وتكسبوا من وراء ألسنتهم، ولم يكابدوا التعب في حياتهم؛ لا يعقل أن يفرطوا يوماً بهذه المكتسبات التي جعلتهم من أصحاب النعيم في الدنيا...
ولذلك لا تستغرب، وأنت ترى هؤلاء البرجوازيون على شاشات التلفاز يشرعنون القتل للظلمة، ( ولا أقول يشرعون ) ويتساوقون مع المجرمين الذين ولغوا في دماء الناس وأعراضهم، ويلوون أعناق النصوص الصحيحة للوصول لأغراضهم الخاصة.
هؤلاء ( الدعاة ) تكشفهم المحن والمحكَّات، التي تخرج ما في قلوبهم، وتظهرهم للناس على حقيقتهم، ولله در الشاعر العربي حين قال:
جزى الله الشــــــدائد كل خيرٍ *** وأن كانـت تغصصني بريقي
وما شـــــــكري لها إلا لأني *** عرفت بها عدوي من صديقي

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

بين القنوت والقنوط

بسم الله الرحمن الرحيم
بين القنوت والقنوط
الشيخ محمد سليمان الفرا
مع بدء موسم الشتاء في كلِّ عام تسمعُ عدداً من الناس يدعو ربه راجياً نزول الغيث بقوله: ( اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين ) [ بحرف التاء ]، كما أن عدداً من المصلين يسأل: ( يا شيخ ما حكم دعاء القنوط ) [ بحرف الطاء ]، وكلاهما خطأٌ بيِّنٌ في اللغة العربية، ولذلك وجب التنبيه إلى الفرق بين الكلمتين؛ ذلك أن الاختلاف بينهما في المبنى يقود إلى اختلافٍ كبيرٍ في المعنى، والفرق بينهما على النحو التالي:
أولاً: معنى القنوت:
( القنوتُ ) مصدرٌ من الفعل الثلاثي اللازم ( قنتَ )، وتأتي في اللغة على عدّةٍ معانٍ، منها الدُّعَاء وَالْقِيَام، والخشوع وَالصَّلَاة، والخضوع وَالسُّكُوت، وَإِقَامَة الطَّاعَة.
ومن ذلك حديث أنسٍ رضي الله عنه ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) متفق عليه، والمعنى يدعو عليهم في صلاته.
وحديث جابرٍ رضي الله عنه مرفوعاً ( أَفْضَل الصَّلَاة طُول الْقُنُوت ) أخرجه مسلمٌ، والمعنى: طول القيام على ما ذكره النووي، أو طول الدعاء على ما رجَّحه غيرهُ.
وقد ورد ذكر القنوت في القرآن الكريم في عدة مواضع كلُّها تدور على المعاني السابقة، منها قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران، 43، أي: أطيعي ربكِ، أو داومي على طاعة ربِّكِ، وكذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} الأحزاب، 31.
وقوله جلَّ وعلا: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} البقرة، 116، والمعنى: خاضعون له, مسخَّرون تحت تدبيره، وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة: 238، أي خاشعين أو ساكتين لا تتكلموا في صلاتكم.
وعليه فكل المعاني التي تكور عليها كلمة ( القنوت ) هي معاني خيرٍ مطلوبةٌ منا بنص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
ثانياً: معنى القنوط:
أما ( القنوط ) فيدور معناه في اللغة على اليأس، أو شدةِ اليأس، وانقطاع الأمل عن الخروج من الحالة التي يكون الانسان عليها، ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) متفقٌ عليه، والمعنى ما يئس الكافر رحمة الله تعالى فأقبل عليه تائباً لينال الجنة.
وقد جاء في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر، 53، معناها: يا محمد قل للعصاة من عبادي الذين تمادَوا في الذنوب, وأسرفوا على أنفسهم باقتراف كلِّ ما دعتهم إليه شهواتهم: لا تَيْئسوا من رحمة الله؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت, إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده, الرحيم بهم الذي يرحم ضعفهم واستكانتهم.
وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى، 28، أي من بعد ما اشتدَّ يأسهم من نزوله.
وبهذا يتبين أن الكلمتين يكاد يكون بينهما تضادٌّ في المعنى، فالقنوت يحمل معنى الرجاء، والقنوط دائرٌ معناه على الياس او أشدِّ اليأس.
والله تعالى أعلم

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

يوم عاشوراء.. دلالاتٌ وفضائلُ وأحكامٌ

بسم الله الرحمن الرحيم
يوم عاشوراء.. دلالاتٌ وفضائلُ وأحكامٌ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وبعد...
1.  مكانة شهر محرم في الإسلام:
شهر الله المحرم له في الإسلام حرمة وفضل:
أما حرمته فلأنه من الأشهر الأربعة الحرم، التي قال الله تعالى عنها: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ( سورة التوبة، الآية 36 ).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حَجِّتِه، فقال: ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض؛ السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر بين جمادى وشعبان ) متفق عليه.
وظلم النفس منهيٌّ عنه في كلِّ زمانٍ، لكن خصَّ الله الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وتعظيماً لمكانتها، ذلك أن العمل الصالح فيها مضاعف؛ فكذلك المعاصي إذا تركبت فيها تكون مضاعفة.
ومما على شاكلة ذلك قوله تعالى عن الحج: { فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } ( سورة البقرة: من الآية 197 )، مع أنَّ الفسوق والجدال منهيٌ عنهما في غير الحج كذلك.
وأما فضله فيدل له ما أخرجَه مسلمٌ في صحيحهِ عن أبِي هريرةَ " أن رسولَ اللهِ r قال: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ)، فصيام شهر الله المحرم يأتي في المرتبة الثانية بعد صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.
وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم محرم بشهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، ذلك أن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته وعباده.
ولذلك قال الحسن البصري: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه.
2.   فضل يوم عاشوراء ودلالاته التاريخية والحضارية.
يُوافقُ يومُ ( عاشوراء ) اليومَ العاشرَ من شهرِ مُحَرَّم، ويُقالُ لليومِ الذي يسبقُه ( تاسوعاء )، وهو يوم فضيل؛ لما أخرجَ مسلمٌ في صحيحهِ عن أبِي قتادةَ " أن النبي r قال: (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)، فصيامُ يوم عاشوراء يُكفِّرُ ذنوبَ السنةِ الماضيةِ كاملةً، بشرطِ اجتنابِ الكبائرِ، وردِّ حقوقِ العبادِ لأصحابِها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ يَبْتَغِي فَضْلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ )، وأصله في البخاري.
ويومُ عاشوراء له دلالاتٌ تاريخيةٌ وحضاريةٌ كبرى؛ فهو علامةٌ فارقة بين الإيمان والكفر، ومبشرٌ من مبشرات انتصار الحق وأهله، واندحار الباطل وحزبه؛ حيث أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وملئه، وأغرقه في اليم وجنوده أجمعين، ولذلك كانت اليهود تصومه.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ) متفق عليه، وعند الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً ) وفي إسناده ضعف.
3.    حكم صيام عاشوراء ومراتب صيامه:
صيامُ يومِ عاشوراء سنةٌ عن النبي r، ويُستحبُّ لِمن أراد صيامَه أن يصومَ معه اليومَ التاسعَ مُخالفةً لليهودِ الذين يكتفون بصيامِ العاشرِ، فقد أخرج مسلمٌ في صحيحِه عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ م قال: (صَامَ رَسُولُ اللَّهِ < يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ؛ فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ <: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، وقد جعل العلماء لصيامه مراتب:
الأولى: صيام اليوم التاسع والعاشر، وهي أفضل المراتب؛ لحديث ابن عباس وفي رواياته ( لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع والعاشر )، ولذلك قال ابن عباس: ( صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ ).
الثانية: صيام اليوم العاشر والحادي عشر؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً: ( خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده )، أخرجه أحمد وابن خزيمة، وفي إسناده ضعفٌ.
الثالثة: صيام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً: ( صوموا يوماً قبله ويوماً بعده ) والحديث إسناده ضعيف.
الرابعة: إفراد العاشر بالصيام ؛ لحديث أبي قتادة عند مسلم (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ).
والخلاصة في ذلك أن الافضل للعبد في صيام عاشوراء أن يصوم معه التاسع اتباعاً للأثر، وله أن يصوم الحادي عشر بدلاً من التاسع تحقيقاً للمقصد وهو مخالفة اليهود، ومن شاء أن يصوم الثلاثة كان له ذلك، ومن صام عاشوراء منفرداً لا حرج عليه إن شاء الله تعالى.
4.      الحكمة من مشروعية صيام عاشوراء:
الحكمة من صيام يوم عاشوراء تتلخص في شكر نعمة الله تعالى علينا، وتذكر معية الله جلَّ وعلا ونصرته لعباده المؤمنين، ذلك أنه يوم نجَّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله تعالى، وصامَه نبينا صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه كما جاء في حديث ابن عباس السابق، فنحن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
أما الحكمة في صيام يوم معه مخالفة اليهود في اقتصارهم على صيام العاشر؛ كما دلت عليه النصوص السابقة، والأمة الإسلامية متميزة عن غيرها من الأمم؛ فلا تكون تبعاً.
5.    هل يجب تبييتُ النية من الليل في صيام عاشوراء.
الأفضل في الصيام كله تبييت النية من الليل؛ لكنَّ صيام عاشوراء مندوبٌ وليس واجباً، وعليه فيجوز لِمَن لم يُبيِّت نيَّةَ صيامهِ مِن الليلِ أنْ ينويَ ذلكَ ما لَم يدخلْ الزَّوالُ، ويؤَذَّنَ للظُّهرِ، ما دامَ لم يِتناولْ أياًّ من المُفَطِّرات بعدَ أذانِ الفجرِ، والدليل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
6.    إذا وافق يومُ عاشوراء يومَ الجمعة أو السبت فما حكم صيامه ؟
إذا وافقَ يومُ عاشوراء يومَ الجمُعةِ أو السبتِ؛ فلا حرجَ من إفراده بالصيامِ؛ لوجودِ السببِ المُقتضِي لذلكَ، بل يجوزُ صومُ السبتِ في عبادَة التطوعِ؛ فقد أخرجَ ابن حبَّان وغيره عن أمِّ سلمةَ ك قالتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ، أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ) حسَّنه الألبَانيُّ.
7.      هل يجوز صيام اليوم العاشر من محرم بنية عاشوراء وقضاء أو كفارة ؟
لا يجوزُ لمَن أرادَ صيامَ عاشوراء أنْ يجمعَ في صيامِهِ بينَ نيَّةِ صيامِ الواجبِ؛ كالقضاءِ والكفارةِ، ونيَّة صيامِ عاشوراء؛ فكلُّ عبادةٍ مقصودةٌ لذاتِها، ولا تداخُلَ بين الصومِ الواجبِ والمندوبِ؛ لكنْ إذا وافقَ يومُ عاشوراء يوم الاثنينِ أو الخميس فلا حرجَ من إشراكِ النيَّةِ فيهِما.
8.       هل يجوز تقديم صيام عاشوراء على قضاء رمضان ؟ وأيهما أفضل ؟
يجوزُ لمَن كانَ عليهِ قضاءُ صيامٍ أو كفارةٌ أن يقدِّم صيامَ يومِ عاشوراء عليهما؛ لتحصيلِ ثوابِ صيامِ هذا اليومِ الفضيلِ، وقد كان الإمامُ الزهريُّ يصومُ عاشوراء في السَّفرِ، ويُفطرُ رمضانَ، فلَمَّا سُئِلَ عن ذلكَ قال: (جَعَلَ اللهُ لرَمَضانَ عِدَّةً مِن أيَّامٍ أُخَر، وليسَ ذلكَ لعَاشُورَاء)، وقت القضاء موسّعٌ بخلاف صيام عاشوراء فغنه من المندوبات المضيقة؛ ولكن أنصَحُ مَن كانَ عليهِ قضاءُ صيامٍ أو كفارةٌ أنْ يُسَارِعَ لصيامِ مَا وَجَبَ عليهِ؛ تبرئةً لذِمَّتِهِ مِن العِبَادَةِ، وإجلالاً لله تعالى بالمسارعة إلى أداء ما افترض عليه.
9.    بعض آداب ومستحبات صيام عاشوراء:
يُستحبُ تصويمُ الأطفالِ المُميِّزينَ في يومِ عاشوراء إذا كانوا يُطيقونَ ذلك؛ تعويداً لهم على العباداتِ والنوافلِ، ولأنَّ الصحابةَ رضي الله تعالى كانُوا يفعلونَه مع صبيانهم.
كما يثبتُ لصيامِ عاشوراء من المستحبَّاتِ ما يثبتُ لرمضانُ؛ مثل تأخيرِ السَّحورِ، وتعجيلِ الفِطرِ على الرطب أو التمر مع الماءِ، وكذلكَ من أكلَ أو شَرِبَ ناسيًا أكمَلَ صَومَه؛ فإنَّما أَطعَمَهُ اللهُ وسقَاهُ.
ويُستحبُّ الإكثارُ منَ الطاعاتِ في شهرِ محرم، وأهمُّها الصيامُ، لحديثِ أبي هريرة السابق: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ)، وخاصَّةً ما كانَ فِي الأيامِ العشرَةِ الأوائلِ مِنْه؛ ذلك أنَّها أعظمُها لاشتمالِها علَى يومِ عاشوراء، وقد كانَ السَّلفُ الصَّالحُ يُعظمونَ هذه الأيامَ، ولكنْ لا يُشرَعُ تخصيصُ العشرةِ الأوائلِ منْ شهرِ مُحرَّم بالصيام؛ لأنَّ ذلك لم يثبتْ عن النَّبِيِّ r، ولم يُنقلْ عن أحدٍ من السلفِ الصالحِ.

الشيخ محمد سليمان الفرا
قطاع غزة - فلسطين

 

الأحد، 3 نوفمبر 2013

إتحافُ الفُضلاءِ بأحكامِ يومِ عاشوراء


إتحافُ الفُضلاءِ بأحكامِ يومِ عاشوراء
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وبعدُ: فهذهِ طائفةٌ من الأحكامِ الفقهيَّةِ والتربويَّةِ المُتعلِّقةِ بشهرِ اللهِ المُحَرَّم ويومِ عاشوراء، إليكَ بيَانها في النقطتينِ التاليتينِ:
§        أولاً: فضائلُ شهرِ اللهِ المحرَّم ويومِ عاشوراء:
1.     شهرُ محرَّم شهرٌ فضيلٌ؛ لما أخرجَ مسلمٌ في صحيحهِ عن أبِي هريرةَ " أن رسولَ اللهِ r قال: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ).
2.     يُوافقُ يومُ (عاشوراء) اليومَ العاشرَ من شهرِ مُحَرَّم، ويُقالُ لليومِ الذي يسبقُه (تاسوعاء).
3.     يومُ عاشوراء لهُ مكانةٌ في الإسلامِ؛ لما أخرجَ مسلمٌ في صحيحهِ عن أبِي قتادةَ " أن النبي r قال: (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)، فصيامُ عاشوراء يُكفِّرُ ذنوبَ السنةِ الماضيةِ كاملةً، بشرطِ اجتنابِ الكبائرِ، وردِّ حقوقِ العبادِ لأصحابِها.
4.     يومُ عاشوراء حَدَثٌ تاريخيٌّ، فقد صامَه نبيُّ الله موسَى ; شكرًا لله الذِي نَجَّاه وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وجندَه، وصامَهُ كفارُ قريشٍ؛ عملاً بما بقيَ عندهُم من ملَّةِ إبراهيم ;، وشكرًا للهِ تعالى لمَّا رفَع عنهم القَحطَ الذي أصابهُم، وكانوا يكسونَ الكعبةَ في هذا اليومِ من كلِّ عامٍ احتفاءً به. ويومُ عاشوراء نقطةُ تحولٍ بين الإيمانٍ والكفرٍ، ويُبشر المؤمنينَ بالنصرِ، واندحارِ الأعداءِ.
§        ثانياً: أحكامُ صيامِ عاشوراء، وشهر محرم:
1.     صيامُ يومِ عاشوراء سنةٌ عن النبي r، ويُستحبُّ لِمن أراد صيامَه أن يصومَ معه اليومَ التاسعَ مُخالفةً لليهودِ الذين يكتفون بصيامِ العاشرِ، فقد أخرج مسلمٌ في صحيحِه عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ م قال: (صَامَ رَسُولُ اللَّهِ < يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ؛ فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ <: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، فإن تعسَّر عليكَ صيامُ اليومِ التاسعِ؛ فَصُمْ الحادِي عَشَرَ معَ العاشرِ؛ تحقيقًا للمُخالفَةِ، ولو صُمْتَ الأيامَ الثلاثَة لكانَ حسنًا، ومن اقتصَرَ علَى صيامِ العَاشرِ فقط فلا حرجَ عليهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
2.     يُستحبُ تصويمُ الأطفالِ المُميِّزينَ في يومِ عاشوراء إذا كانوا يُطيقونَ ذلك؛ تعويداً لهم على العباداتِ والنوافلِ، ولأنَّ الصحابةَ ن كانُوا يفعلونَه.
3.     يجوزُ لمَن كانَ عليهِ قضاءُ صيامٍ أو كفارةٌ أن يقدِّم صيامَ يومِ عاشوراء عليهما؛ لتحصيلِ ثوابِ صيامِ هذا اليومِ الفضيلِ، وقد كان الإمامُ الزهريُّ يصومُ عاشوراء في السَّفرِ، ويُفطرُ رمضانَ، فلَمَّا سُئِلَ عن ذلكَ قال: (جَعَلَ اللهُ لرَمَضانَ عِدَّةً مِن أيَّامٍ أُخَر، وليسَ ذلكَ لعَاشُورَاء)، وننصَحُ مَن كانَ عليهِ قضاءُ صيامٍ أو كفارةٌ أنْ يُسَارِعَ لصيامِ مَا وَجَبَ عليهِ؛ تبرئةً لذِمَّتِهِ مِن العِبَادَةِ.
4.     لا يجوزُ لمَن أرادَ صيامَ عاشوراء أنْ يجمعَ في صيامِهِ بينَ نيَّةِ صيامِ الواجبِ؛ كالقضاءِ والكفارةِ، ونيَّة صيامِ عاشوراء؛ فكلُّ عبادةٍ مقصودةٌ لذاتِها، ولا تداخُلَ بين الصومِ الواجبِ والمندوبِ؛ لكنْ إذا وافقَ يومُ عاشوراء يوم الاثنينِ أو الخميس فلا حرجَ من إشراكِ النيَّةِ فيهِما.
5.     إذا وافقَ يومُ عاشوراء يومَ الجمُعةِ أو السبتِ؛ فلا حرجَ من إفراده بالصيامِ؛ لوجودِ السببِ المُقتضِي لذلكَ، ويجوزُ صومُ السبتِ في عبادَة التطوعِ؛ فقد أخرجَ ابن حبَّان وغيره عن أمِّ سلمةَ ك قالتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ، أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ) حسَّنه الألبَانيُّ.
6.     يثبتُ لصيامِ عاشوراء من المستحبَّاتِ ما يثبتُ لرمضانُ؛ مثل تأخيرِ السَّحورِ، وتعجيلِ الفِطرِ على الرطب أو التمر مع الماءِ، وكذلكَ من أكلَ أو شَرِبَ ناسيًا أكمَلَ صَومَه؛ فإنَّما أَطعَمَهُ اللهُ وسقَاهُ.
7.     يجوزُ لِمَن لم يُبيِّت نيَّةَ صيامهِ مِن الليلِ أنْ ينويَ ذلكَ ما لَم يدخلْ الزَّوالُ، ويؤَذَّنَ للظُّهرِ، ما دامَ لم يِتناولْ أياًّ من المُفَطِّرات بعدَ أذانِ الفجرِ.
8.     يُستحبُّ الإكثارُ منَ الطاعاتِ في شهرِ محرم، وأهمُّها الصيامُ، لحديثِ أبي هريرة " السابق: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ)، وخاصَّةً ما كانَ فِي الأيامِ العشرَةِ الأوائلِ مِنْه؛ ذلك أنَّها أعظمُها لاشتمالِها علَى يومِ عاشوراء، وقد كانَ السَّلفُ الصَّالحُ يُعظمونَ هذه الأيامَ، ولكنْ لا يُشرَعُ تخصيصُ العشرةِ الأوائلِ منْ شهرِ مُحرَّم بالصوم؛ لأنَّه لم يثبتْ عن النَّبِيِّ r، ولم يُنقلْ عن أحدٍ من السلفِ الصالحِ.
وصلَّى اللهُ وسلَّم على سيِّدنا محمدٍ وعلى آلِه وأزواجِه وأصحابِه أجمعين